الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
233
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
من غير تفاوت ولذا نصوا في باب مقدمة الواجب على تعميم السبب العقلي والعادي فإن أريد بالعلة في المقام ما يعم ذلك كما هو الظاهر فلا إشكال إلا أن حكمه بحصول التلازم في غير هذه الصّورة مما لا وجه له إذ لا يصح الملازمة وعدم الانفكاك بين الشيئين من دون ذلك على سبيل الاتفاق وعدم الانفكاك بين الشيئين على سبيل الاتفاق مما لا يعقل بالنسبة إلى أفعال المكلفين إذ مع إمكان الانفكاك عقلا أو عادة يكون للمكلف التفريق بينهما وإن أدرجت العلية العادية في القسم الثاني فالحكم بعدم جريان حكم المتلازمين فيه كما ترى [ الدليل الثالث ] قوله إن تضاد الأحكام بأسرها يمنع إلى آخره لا يخفى أنه كما يمنع تضاد الأحكام من اجتماع اثنين منها في محل واحد كذا يمنع منه قبح التكليف بما لا يطاق وذلك ظاهر فيما إذا أوجب الإتيان بأحد المتلازمين وحرم الإتيان بالآخر فإنه يتعذر على المكلف امتثال الأمرين ومن البين أنه كما يستحيل التكليف بما لا يطاق بالنسبة إلى تكليف واحد كذلك يستحيل بالنسبة إلى تكليفين أو أكثر فحرمة ترك المأمور به وإن لم يناف إباحة فعل الضد إلا أنه ينافي وجوبه على ما هو مورد ثمرة المسألة بل ينافي استحبابه أيضا لاستحالة الامتثال له بعد تحريم ما يلازمه فدفع الوجه المذكور بأن قضية التضاد امتناع اجتماعهما في موضع واحد لا موضعين لا يدفع ما ذكرنا فالحكم بجواز حصول حكمين من الأحكام الخمسة مطلقا في المتلازمين المفروضين ليس على ما ينبغي [ الجواب من الدليل الثالث وفيه دراسة شبهة الكعبي ] قوله على أن ذلك لو أثر أشار بقوله إلى التلازم بين الشيئين يعني لو كان التلازم بين الشيئين مطلقا قاضيا بعدم حصول حكمين منها في المتلازمين لثبت قول الكعبي وقد يجعل قوله لو أثر بمنزلة لو صح فيكون قوله ذلك إشارة إلى كون مطلق التلازم بين الشيئين مانعا من اتصاف المتلازمين بحكم غير حكم الآخر فلو صح ذلك لثبت قول الكعبي بانتفاء المباح والأول أظهر قوله لثبت قول الكعبي بانتفاء المباح إلى آخره لا يخفى أن شبهة الكعبي على تقريره المشهور مبنية على عكس هذه المسألة أي قضاء النهي عن الشيء بالأمر بضده وهو إنما يتبين بإثبات توقف ترك الحرام على فعل ضده ووجوب مقدمة الواجب كما سيأتي بيانه إن شاء الله وأما الوجه الذي ذكره المصنف في الشبهة فلا توقف له على كون فعل الضد من مقدمات ترك الحرام ليتوقف تركه عليه ولو على وجوب مقدمة الواجب وإنما يبتنى على عدم اختلاف المتلازمين في الحكم بعد ثبوت الملازمة بين ترك الحرام والإتيان بفعل من الأفعال وتقريرها على البيان المذكور أن ترك الحرام يلازم فعلا من الأفعال المضادة للحرام وترك الحرام واجب فيكون ما يلازمه واجبا لعدم جواز اختلاف المتلازمين في الحكم فإذا ثبت وجوب ذلك قضي بوجوب كل من تلك الأفعال على سبيل التخيير وهذا التقرير كتقريره المشهور مبني على عدم إمكان خلو المكلف عن فعل من الأفعال ومن يقول بجواز خلو المكلف عن الأفعال فهو في سعة عن هذه الشبهة ونحوها ومع البناء على عدم إمكان خلوه عن الأفعال فالجواب عنه على مذاق المصنف ما سيجيء بيانه في كلامه وسنقرر ما يرد عليه والحق في الجواب عنه حينئذ هو المنع من لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم وأقصى ما يقال في المقام أن الأمر الثابت لأحد المتلازمين من رجحان أو مرجوحية أو منع ترك أو منع فعل ثابت للآخر بالتبع والعرض من غير أن يتحقق هناك شيئان بل يكون الثابت شيئا واحدا ينسب إلى أحدهما بالذات وإلى الآخر بالعرض على حسبما مر تفصيل القول فيه فغاية الأمر أن يكون أحد الأفعال الوجودية واجب الحصول بتبعية وجوب ترك الحرام يعني أنه يلزم الإتيان به من جهة لزوم ترك الحرام لعدم انفكاكه عنه فهو واجب بوجوبه فهو في نفسه غير واجب لا لنفسه ولا لغيره فليس في ذلك نفي للمباح بوجه من الوجوه أقصى الأمر ثبوت الوجوب بالعرض والمجاز للكلي المفروض الملازم لترك الحرام فيثبت ذلك للجزئيات المندرجة تحته تبعا فإن أراد القائل بوجوب المباح ما ذكرناه فلا خلاف في المعنى وإن أراد ثبوت الوجوب له بنفسه سواء كان نفسيا أو غيريا فقد عرفت عدم نهوض الدليل المذكور عليه أصلا بل يمكن أن يقال إن الوجوب بالعرض على الوجه المذكور لا يثبت لخصوص شيء من الأضداد وإنما يثبت للكلي الشامل لتلك الجزئيات حيث إنه الذي لا ينفك عن ترك الحرام بخلاف كل من الجزئيات لحصول الانفكاك بالنسبة إلى كل منها فلا وجه للقول بوجوب شيء منها بالتبع فإنه إنما يتبع عدم الانفكاك وهو غير حاصل بالنسبة إلى تلك الخصوصيات فثبوت الحكم على الوجه المذكور للكلي لا يستتبع ثبوته للفرد نظرا إلى عدم حصول الجهة الباعثة لثبوته بالنسبة إلى شيء من الأفراد فلا وجوب إذن لشيء من الأضداد الخاصة بالعرض أيضا وإن وجب الأمر العام على الوجه المذكور فتأمل [ في تقرير شبهة الكعبي . ] قوله ولهم في رده وجوه في بعضها تكلف حيث ضايقهم القول إلى آخره أراد بذلك ردّهم لقوله بالنظر إلى الشبهة المعروفة المبتنية على وجوب المقدمة دون التقرير الذي ذكره إذ لا ربط له بوجوب المقدمة حتى يتضايق عليهم الأمر من جهة القول بوجوب المقدمة وتقرير شبهته المعروفة أن ترك الحرام واجب وهو لا يتم إلا بفعل من الأفعال وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب أما الأولى فظاهر والثالثة قد قررت في المسألة المتقدمة وأما الثانية فيحتج عليها تارة بأن فعل الضد سبب لترك الحرام حيث إن وجود أحد الضدين سبب لرفع الآخر يتوقف عليه توقف المسبب على سببه وأخرى بأنه لما لم يمكن خلو المكلف عن الفعل توقف تركه لفعل الحرام على التلبس بفعل آخر لئلا يلزم خلوه عن الأفعال [ فيما يجاب عنه . ] وأجيب عنه بوجوه أحدها منع المقدمة الثانية وما ذكر في الاحتجاج لا يفيد توقف ترك الحرام على فعل المباح إذ قد يحصل ذلك بفعل الواجب ويدفعه أن ذلك لا يقضي بعدم وجوب المباح إذ أقصى الأمر حصول ذلك الواجب بما يعم الواجب والمباح فيتخير المكلف بين الأمرين فالواجب إذن هو الإتيان بفعل من الأفعال الغير المحرمة سواء كان واجبا أو غيره غاية الأمر أن يتحقق في الواجب جهتان للواجب ثانيها المعارضة بأنه لو تم ما ذكر من الدليل لزم أن يكون الحرام واجبا فيما إذا حصل به ترك حرام آخر فيلزم اجتماع الوجوب والتحريم في شيء واحد وأنه محال ورد ذلك بأنه إنما يقضي ذلك باجتماع الحكمين من جهتين ولا مانع منه ويدفعه أن الإيراد مبني على جواز اجتماع الأمر والنهي من جهتين